عشت لسنوات طويلة مستورا ، أضع راتبي فوق راتب زوجتي.. لا يستغرق وقت تقسيم المرتب وتوزيعه الا دقائق ، هذا المبلغ لايجار الشقة ، وهذا لزوم فاتورة الكهرباء ، وهذا للغاز ، واستهلاك المياه. يتبقي مبلغ معقول يكفي تموين الشهر من زيت ، وسكر ، ودقيق ، ودجاج ، ولحوم ، وخلافه ، فتمتليء الثلاجة ، والديب فريزر ، وتسود الطمأنينة قلبينا.
كثيرا ماكان يتبقي معنا بعض المال ، فنستقل سيارتنا الفيات البيضاء الاصيلة ، ونتوجه الي المصيف صبيحة يوم الجمعة ، لنقضي يوما علي الشاطيء ، يستمتع فيه الاطفال باللعب ، والقفز في مياه البحر ، ويغسل هواء البحر ، وامواجه عنا هموم الشهر.
وصلت الي المنزل اليوم قبل زوجتي جلست وحدي . الثلاجة شبه خاوية. لم يعد من السهل ان تعود الي سابق عهدها ، ولن تملا الطمأنينة قلبينا.
. تري هل سيتكرر نفس الشجار الذي بدأ منذ شهور؟ صاحب العمارة طلب زيادة ايجار الشقة خمسمائة جنيه كاملة ، والا فلنرحل الي شقة أخري تليق براتبنا المتهاوي. جلست ساهما شارد الذهن.
ادارت زوجتي مفتاح الشقة ، ودخلت ببطء . نظرت لي ولم تلق السلام كعادتها. رمت راتبها علي الطاولة . جاءت لي متثاقلة وقالت بصوت واهن..
-هنعمل ايه؟
-العمل عمل ربنا.
-الباقي مش هيكفي اكل البيت.
-اتصرف أنت..
رن الجرس. لم اجد احدا علي باب الشقة . نظرت من شرفة الدور الثالث ، لاجد محصل الكهرباء الاكرش الاصلع يعلق حقيبة جلدية يحملها حزام يتدلي من رقبته ، وتستقر علي كرشه الضخم ، ينظر الي أعلي ، وهو يمسك بالفاتورة مشيرا بها كما يفعل كل شهر.
صاح بصوت عال أجش .... 883 جنيه. لا ادري كيف استحالت الرؤية الي ضباب . لم أعد اري الرجل الواقف في الشارع . قررت القفز من الشرفة . سوف أستريح من كل شيئ بعد ثوان قليلة.
سمعت صوت ارتطام عالي. غبت عن الوعي . أفقت لاجد الشارع مكتظ بالمارة ، والجيران. سمعت كلمات كثيرة تقال
-الحمد لله .. قدر ولطف
-حظه حلو .. وقع فوق سقف العربية
-بسيطة ان شاء الله حلو
صعدت الي شقتي ، مستندا بذراعي علي كتف زوجتي ، التي كانت تبكي ، وهي تنظر لي نظرة لوم حزينه . انتابني دهشة شديدة. كيف لم أمت ، أو حتي تنكسر ساقي . الحمد لله .
رن جرس الشقة لاجد ثلاثة من الرجال ، اب ضخم ومثله ابنيه.. توجه كبيرهم لي وقال ، وهو ينظر لي نظرة يملؤها التهديد والوعيد
-حمد لله علي السلامة ....
-الله يسلمك
-هتصلح العربية واللا نبلغ البوليس ...؟

مرحباً بالتعليقات الجديدة .