كتب / دكتور مسعد السيسي
كان مصطفي ابن الخمس سنوات يلعب مع اولاد حسن أفندي في البيت المقابل لبيتهم ، ولاول مرة ، يتذوق قطعة من الكيك الاصفر اللون الذي تفوح منه رائحة الفانيليا ، ويختلط مذاقه بطعم البرتقال.
ظل الطفل ساهما لا ينطق حتي عاد الي البيت ، واخبر أخته وأخيه الذي يكبره بما حدث. تجمع ثلاثتهم وطلبوا من أمهم أن تصنع لهم كيك .
- كيك ايه ياواد انت وهو ؟ ايه اللي عرفكوا الكيك ده؟
- مصطفي كان بياكل كيك عند عمو حسن .يقول لها الابن االكبر
- خلاص بعدين
-لا ...لازم الوقت حالا...يرد الثلاثة بصوت واحد.
يبكي الاصغر ، ويقطب الاكبر جبينه وتكفي البنت وجهها علي راحتيها غاضبة . لم يعد هناك مفر.
توجهت الام الي المطبخ ، وأخرجت الصينية . فتحت الثلاجة الايديال الصغيرة ، فلم تجد اال بيضتين . زجاجة الزيت كادت أن تنتهي ، ولا يوجد أثر لاي دقيق . مازال نظر الاطفال متعلقا بها . أشارت الام الي مصطفي ، وهمست في أذنه ، وهي تناوله كوبا زجاجيا كبيرا ، فجري الطفل في حماس متوجها الي جارتهم الست أم عبده ، ثم عاد في تأني كأنه يمشي علي الحبل ، وهويقبض براحتيه علي الكوب المليء بالزيت بحرص بالغ ، حتي لا يقع منه نقطة.
بعد قليل همست الام في أذن طفلتها فانطلقت كالريح تصعد السلالم الي الست أم عطية ، لتأتي بعد دقائق وفي كل يد بيضة . نظر الطفل الاكبر الي أمه يبحث لنفسه عن دور ، فناولته الام قدرا صغيرا ، فانطلق يجري الي أم حنان في الدور الارضي ، ليصعد في دقائق بالقدر مليئا بالدقيق .
بدأت الام تضع البيض ، وتذيب السكر ، والدقيق في الزيت ، مع القليل من اللبن ، حيث لم يوجد زبادي ، وأخذت تقلب بحماس . الاطفال سعداء وهم يشاهدون ميلاد صينية الكيك.
وضعت الام الفانيليا ، والبيكنج باودر ، واستمرت في التقليب ، ولحسن الحظ وجدت برتقاله لم يأ ِت عليها الاطفال بعد ، فبشرتها فوق الخليط . وذاقت الخليط بطرف أصبعها فسرت لمذاقه.
قفز ثلاثتهم الي أعلي ، ولم يهدأوا حتي تذوقوا العجينة كما فعلت أمهم ، ونظروا لبعضهم في سرور . صبت الام الخليط في الصينية بعد أن دهنتها بالزيت ، ووضعتها في فرن البوتاجاز .
ظل الاطفال جالسين علي الارض حتي أحمر وجه الصينية ، وبدأت الام في تقطيعها لتخرج بعض القطع في ثلاثة أطباق. ، ثم نظرت اليهم جميعا .
- روح يامصطفي ودي الطبق ده لام عبده اللي جبت منها الزيت فاهم؟
يهز مصطفي رأسه في غيظ.
- وانتي روحي ودي الطبق ده للست أم عطية واشكريها علي البيض ، وانت روح ودي الطبق ده للست أم حنان .
نظر الاطفال غاضبين وهم يرون أكثر من نصف صينية الكيك تغتصب أمام أعينهم . رضخ الاطفال صاغرين ونفذوا ماطلبته أمهم ، لكنهم جميعا فعلوا نفس الشيء عندما قضم كل منهم وهو في طريقه جزءا يسيرا من طرف كل قطعة ، ثم عادوا كالبرق ليلتهموا باقي الصينية عن آخرها وأمهم تنظر اليهم ، وتراقبهم في رضا ، حتي أنتهوا ثم جروا اليها ليحتضنوها ، لكنهم لم ينتبهوا أنها لم تتذوق شيئا من الكيك الذي صنعته.

مرحباً بالتعليقات الجديدة .